[email protected]

مواطنون تحت الخطر نشر منشآت عسكرية مؤقتة وثابتة قرب البلدات العربية خلال الحرب الأخيرة على لبنان

مواطنون تحت الخطر  نشر منشآت عسكرية مؤقتة وثابتة قرب البلدات العربية خلال ا...


أسفرت الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على لبنان عن سقوط العديد من الضحايا المدنيين. فقد سقط ضحيتها 1,191 مدنيًا لبنانيًا وجرح أكثر من 4,400؛ فيما قتل في الجانب الإسرائيلي 44 مواطنًا إسرائيليًا وجرح نحو 4,262 مواطنًا. وهذا العدد المرتفع للقتلى والجرحى من الطرفين أثار الشكوك بأن الطرفين، الإسرائيلي واللبناني على حد سواء، لم يحترما القوانين الدولية الإنسانية، التي ينص أحد مبادئها الأساسية على أنه يجب توفير الحماية القصوى للمدنيين. ويبدو ان انتهاك القوانين الدولية الإنسانية هو السبب لسقوط هذا العدد الكبير من القتلى والجرحى، وخاصة في أوساط المدنيين. 

وبناء عليه، اجرت منظمات دولية، مثل الأمم المتحدة، ومنظمة مراقبة حقوق الانسان (هيومان رايتس ووتش) ومنظمة العفو الدولية (امنستي انترناشيونال) تحقيقات معمقة، خلال الحرب وبعدها، حول مدى احترام كل طرف من طرفي النزاع تعليمات وقواعد القانون الدولي الإنساني، وبالذات تلك التي تعنى بحماية المدنيين. وقد تمحورت التحقيقات حول عدة ادعاءات، أحدها هو أن حزب الله أطلق قذائف باتجاه شمال إسرائيل، دون تمييز بين أهداف مدنية وأهداف عسكرية. وآخر هو أن إسرائيل هاجمت جنوب لبنان، بغارات جوية وقصف مدفعي مكثف، وكذلك دون تمييز بين مدنيين وغير مدنيين. وهناك ادعاء ثالث هو أن حزب الله من جهته هو المسبب في النسبة العالية للقتلى والجرحى في أوساط المدنيين اللبنانيين، وذلك لأنه نشط ضد إسرائيل من داخل السكان المدنيين، بقصد استخدامهم كدروع بشرية في وجه الاعتداءات الإسرائيلية. كافة التقارير التي تمحورت حول الحرب أكدت بشكل قاطع أن الطرفين انتهكا القوانين الدولية الإنسانية.

ويتمحور هذا التقرير حول حقيقة واحدة، الا وهي قيام الجيش الاسرائيلي بنشر منشآت عسكرية قرب البلدات العربية. وقد تم التنويه الى هذه الحقيقة خلال الحرب، وخاصة من قبل رجال جمهور عرب، إلا انه لم يتم التطرق اليها بشكل معمق من قبل المنظمات التي أجرت تحقيقات بخصوص الحرب.


منشآت عسكرية بجوار البلدات العربية

استنادا الى التحقيق الذي أجرته المؤسسة العربية لحقوق الانسان (فيما يلي: المؤسسة العربية)، يتضح ان الجيش الاسرائيلي قام بنشر منشآت عسكرية مؤقتة قريبة جدا من القرى العربية اطلقت منها صواريخ على جنوب لبنان، خلال الحرب، وقد تعرضت تلك القرى الى أقسى الأضرار في الحرب. هذا بالاضافة الى منشآت عسكرية ثابتة نصبت قرب القرى العربية قبيل الحرب. بل في عدد من الاماكن تموضعت المنشآت العسكرية داخل القرى نفسها. ويبدو أن هذه المنشآت العسكرية شكلت هدفا للصواريخ التي اطلقها حزب الله، وأن تمركزها في محيط القرى عرض المواطنين العرب فيها لمخاطر جدية نتيجة تعرض قراهم لصواريخ حزب الله، وقد وقع الخطر بشكل فعلي. ومن جهة ثانية، كشف التقرير ان القرى العربية التي لم تكن محاطة بالمنشآت العسكرية لم تتضرر خلال الحرب، او انها تضررت بشكل ضئيل، بسبب قربها من الحدود الشمالية.

ووفق نتائج التحقيق، فإن البلدات العربية التي اصيبت بالشكل الاقسى والمكثف اكثر من غيرها خلال الحرب هي البلدات المحاطة بمنشآت عسكرية، سواء تلك المؤقتة زمن الحرب او الدائمة. تبعد هذه المنشآت عن البلدات المدنية 0.5-2 كلم فقط بخط هوائي، وحتى ان بعضها موجود داخل البلدات، وهذه  مسافات قصيرة جدا وهي في اطار مدى خطأ الصواريخ التي اطلقها حزب الله. وخلال الحرب اطلقت قذائف مدفعية باتجاه جنوب لبنان من جزء كبير من هذه المنشآت، بالأساس من المنشآت المؤقتة.

وأفاد التحقيق أيضاً، ان البلدات العربية التي لم تتم احاطتها بمنشآت عسكرية، بما فيها بلدات قريبة جدا من الحدود الشمالية، لم تصب بالصواريخ، او انها اصيبت بشكل ضئيل؛ ومقابل ذلك، فإن البلدات المحاطة بالمنشآت العسكرية اصيبت من الصواريخ، رغم انها كانت بعيدة عن الحدود الشمالية.

وكان حزب الله قد اعلن خلال الحرب مرات عدة انه يوجه صواريخه بالاساس نحو منشآت عسكرية داخل اسرائيل. واستنادا الى نتائج التحقيق التي توصل اليها تقرير المؤسسة العربية، لا يوجد أي سبب للتشكيك في ان البلدات المدنية العربية اصيبت بسبب قرب المنشآت العسكرية منها. ويمكن الافتراض على الاقل، ان حقيقة قيام اسرائيل بوضع منشآت عسكرية معينة داخل بلدات مدنية عربية او بجوارها زادت بشكل جدي الخطر على سكان تلك البلدات، هذا الخطر الذي يبدو انه تحقق فعليا.

المبدآن الاساسيين للغاية في القانون الدولي الانساني (التعاهدي والعرفي) هما مبدأ "حصانة المواطنين" ومبدأ "التمييز" (The Principle of Distinction) (اللذان هما عمليا وجهان لعملة واحدة). هذان المبدآن يفرضان على الاطراف في الحرب او النزاع المسلح واجب التمييز بين محاربين وبين مواطنين وبين اهداف عسكرية وأعيان مدنية، وتوجيه عملياتها في الحرب للمجموعة الاولى فقط. بالاضافة الى ذلك، يفرض القانون الدولي الانساني على من هو طرف في الحرب او المواجهة واجبات بكل ما يتعلق بالسكان المدنيين الموجودين تحت سيطرته. المادة 58 من البرتوكول الإضافي الملحق بمعاهدة جنيف المعقودة في 12 آب 1949 المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية (برتوكول I) في تاريخ 8 حزيران 1977 يفيد ما يلي: " تقوم أطراف النزاع، قدر المستطاع، بما يلي: (ب) تجنب إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها".

وبوضعها منشآت عسكرية بجوار البلدات العربية وداخلها، انتهكت اسرائيل الواجب الواضح الذي يفرضه عليها القانون الدولي الانساني: الامتناع عن اقامة منشآت عسكرية داخل بلدات مدنية او بجوارها، حتى وإن لم تكن تهدف الى استخدام البلدات المدنية كدروع بشرية.


الحفاظ على أمن المواطنين العرب 

المادة 58 من بروتوكول I لمعاهدة جنيف تنص، في بند (أ) منه، على: " تقوم أطراف النزاع، قدر المستطاع، بما يلي: (أ) السعي جاهدة إلى نقل ما تحت سيطرتها من السكان المدنيين والأفراد المدنيين والأعيان المدنية بعيدا عن المناطق المجاورة للأهداف العسكرية، وذلك مع عدم الإخلال بالمادة 49 من الاتفاقية الرابعة". وفي البند (ب)، تنص المادة على: "تجنب إقامة أهداف عسكرية داخل المناطق المكتظة بالسكان أو بالقرب منها". 

ووفق الشهادات التي جمعتها المؤسسة العربية ووفق المعلومات التي تراكمت حتى الآن بشأن وسائل الامن التي اتخذتها الحكومة لحماية المواطنين، يتبين ان الحكومة فشلت فشلا ذريعا بكل ما يتعلق بحماية المواطنين زمن الحرب، وانها لم تتخذ وسائل حذر وأمن جدية وجوهرية من اجل ان تقلص الاصابات بين السكان المدنيين. وكان هذا الفشل اشد في البلدات العربية، التي تعاني طوال الوقت من اهمال كبير بكل ما يتعلق ببنى تحتية مدنية. 

الدولة لم تلتزم بالواجبات الاساسية التي يفرضها عليها القانون الدولي الانساني بشأن حماية السكان المدنيين: هي لم تقم بإخلاء السكان، الذين تحت سيطرتها، من مناطق الخطر ولم تقم بحماية البلدات المدنية، التي كانت معرضة للاصابات، من الصواريخ. ويسري واجب الاهتمام بأمن المواطنين اضعافا مضاعفة بالنسبة للمواطنين العرب والبلدات العربية، كون الجيش هو الذي أقام المنشآت العسكرية المؤقتة والثابتة، قرب البلدات العربية، وبذلك عرض بصنع يديه السكان في تلك البلدات الى الخطر. 

وأظهرت نتائج التحقيق أيضًا، انه ليس فقط ان الحكومة لم تطلب او تطالب السكان او المجالس باخلاء السكان، انما طلبت منهم البقاء في بيوتهم، رغم تساقط الصواريخ العديدة على البلدات. أحد سكان قرية ترشيحا، موظف في المجلس المحلي في القرية، قال للمؤسسة العربية انه لم يصل أي طلب من الحكومة لاخلاء السكان من بيوتهم، بل بالعكس، الحكومة بالذات حذرت "يجب الامتناع عن الخروج من البيوت".


توصيات

استنادًا إلى النشر في وسائل الإعلام، يبدو أن سيناريو نشوب مواجهة أخرى بين إسرائيل وحزب الله، بمشاركة سوريا وإيران، هو أمر محتمل جدا في المستقبل. ومن المحتمل أن تنشب حرب جديدة بمشاركة عدد من العناصر في كل لحظة. وفي ضوء ذلك، تشدد المؤسسة العربية لحقوق الإنسان على أنه يجب على إسرائيل أن تحترم- في كل مواجهة قد تنشب مستقبلا- القانون الدولي الإنساني، التعاهدي والعرفي على حد سواء؛ وتطالب المؤسسة العربية الحكومة الإسرائيلية بإلحاح أن تتخذ على الفور الخطوات التالية:

إزالة كافة القواعد العسكرية الثابتة المقامة بجوار البلدات المدنية لأنها تشكل، وفق القانون الدولي الإنساني، أهدافا عسكرية شرعية للهجوم، ولذلك فإن قربها من البلدات المدنية قد يعرض السكان المدنيين للخطر.
الامتناع عن إقامة قواعد عسكرية مؤقتة بالقرب من البلدات المدنية أو داخلها زمن المواجهات، من أجل عدم تعريض السكان المدنيين للخطر عن طريق جعل هذه القواعد أهدافا عسكرية شرعية للهجوم.
اتخاذ كافة الخطوات الضرورية فورًا، من أجل حماية البلدات العربية، التي تعاني إهمالا كبيرًا، من هجوم مستقبلي بالصواريخ، بما في ذلك عن طريق بناء ملاجىء عمومية وأجهزة حماية وإنذار ملائمة، بالإضافة إلى  تخصيص ميزانيات مناسبة.
القيام مسبقا ببناء خطط طوارىء جاهزة لإخلاء السكان المدنيين من البلدات في حالة مواجهة مستقبلية وإسكانهم في مكان آمن، خارج مدى نيران وهجوم الطرف الثاني.

كما تتوجه المؤسسة العربية لحقوق الإنسان إلى الأسرة الدولية وتناشدها أن تنظر بخطورة شديدة لانتهاك القانون الدولي الإنساني الذي ارتكبته إسرائيل، وأن ترغم إسرائيل الموقعة على معاهدات جنيف والبروتوكولات الإضافية الملحقة بها والمسؤولة وفق ذلك عن تطبيقها التام، على استغلال كل الوسائل الممكنة المتوفرة لديها من أجل وقف الانتهاكات القائمة، وكذلك محاولة منع انتهاكات مستقبلية في كل مواجهة مستقبلية قد تنشب، وخاصة إقامة منشآت عسكرية ثابتة ومؤقتة بالقرب من بلدات مدنية أو داخلها.