[email protected]

ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان

ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان

(ملاحظة: كتب هذا التقرير من قبل المؤسسة العربية لحقوق الإنسان وهي تتحمل أي مسؤولية عن مضمون ما يرد فيه).

نظمت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان، يوم الأربعاء الموافق 12/12/2007، ندوة تمحورت حول موضوع فكرة التبادل السكاني أو تبادل الأراضي في منطقة المثلث، وجاءت تحت عنوان "اقتراحات التبادل السكاني: تبادل الأراضي ومستقبل الأقلية الفلسطينية في إسرائيل". وقد تم تنظيم هذه الندوة بمناسبة اليوم العالمي لحقوق الإنسان، وعلى خلفية الاقتراحات المتكررة لتبادل أراض داخل إسرائيل، في منطقة المثلث الشمالي والجنوبي، مع أراض داخل الدولة الفلسطينية العتيدة (في الأراضي التي تحتلها إسرائيل الآن)، وبالأساس الكتل الاستيطانية الكبيرة. وكان النقاش حول موضوع تبادل الأراضي والسكان بين إسرائيل وفلسطين قد طرح مرة أخرى في الفترة الأخيرة، عشية مؤتمر أنابوليس، وخاصة من قبل الوزير العنصري افيغدور ليبرمان، رئيس كتلة "إسرائيل بيتنا" اليمينية في الكنيست.

وتضمنت الندوة جلستين: الجلسة الأولى ضمت أكاديميين أخصائيين وباحثين، حيث ناقشوا جوانب مختلفة لفكرة تبادل الأراضي والسكان، بما في ذلك الجانب السياسي والتاريخي والجغرافي والقانوني. وشارك في الجلسة د. مسعود إغبارية (محاضر في كلية بيت بيرل)، ود. يوسف تيسير جبارين (محاضر في كلية الحقوق بجامعتي حيفا وتل أبيب ومدير المركز العربي للحقوق والسياسات) ود. يوسف رفيق جبارين (محاضر في كلية الهندسة المعمارية وتخطيط المدن في التخنيون).

وضمت الجلسة الثانية قياديين وأعضاء كنيست عرب من مختلف الكتل السياسية العربية في إسرائيل، قدموا خلالها مداخلاتهم التي ركّزوا فيه بالأساس على الجانب السياسي لفكرة التبادل السكاني وطرق مواجهتها والتصدي لها. وشارك في الجلسة كل من عضو الكنيست محمد بركة (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة)، وعضو الكنيست عبد الله صرصور (القائمة العربية الموحدة والحركة العربية للتغيير)، والشيخ رائد صلاح (الحركة الإسلامية)، والسيد رجا إغبارية (أبناء البلد) وعضو الكنيست جمال زحالقة (التجمع الوطني الديمقراطي).

وتجدر الإشارة إلى أن الأمر الذي بدا جليا في الندوة، سواء في الجلسة الأولى أو في الجلسة الثانية، هو أن السواد الأعظم من الجماهير العربية في إسرائيل يعارض بشدة تنفيذ مثل هذه الفكرة في المستقبل.

وفيما يلي ملخص لأهم الأمور التي طرحت في الندوة من قبل المتحدثين المختلفين.


الجلسة الأولى

من الناحية السياسية، تم التشديد على أنه يجب ربط فكرة تبادل الأراضي والسكان بالسياق السياسي والتاريخي لفكرة الترانسفير. أي أن فكرة تبادل الأراضي والسكان هي استمرار لفكرة الترانسفير- الأمر الذي يعني، طرد العرب من مناطق الدولة اليهودية- التي ما فتئت تطرح بين الفينة والأخرى منذ إقامة دولة إسرائيل وحتى يومنا هذا. ومن هذه الناحية، فإن سياسة دولة إسرائيل تجاه المواطنين العرب لم تتغير قيد أنملة منذ قيامها.

أما من الناحية القانونية، فإن فكرة تبادل الأراضي والسكان هي فكرة عنصرية، لأنها مبنية على تبادل سكاني على أساس قومي وإثني. أي أن الفكرة قامت ووجدت من أجل التخلص من الجماهير العربية داخل إسرائيل، التي تنتمي إلى مجموعة قومية وإثنية تختلف عن مجموعة الأغلبية المسيطرة في الدولة (اليهود)، وعليه فإنها مبنية على التمييز القومي والاثني، المحظور بموجب القانون الدولي.

ومن ناحية القانون الإسرائيلي، ليس هناك حق في المواطنة (خلافا لما هو متبع في الولايات المتحدة، حيث هناك الحق في المواطنة منصوص عليه في الدستور). أما في إسرائيل، مقابل ذلك، فهنالك حق في المساواة أمام القانون (1) ، ولكن ليس هناك حق في المواطنة بحد ذاتها.

ووفقا للقانون الدولي، فإن أي إجراء لتبادل أراض وسكان دون موافقة السكان أنفسهم، يعتبر مخالفا لمبادىء القانون الدولي. وعليه، فإن فكرة تبادل الأراضي والسكان يجب أن تكون بموافقة السكان، وإلا يشكل الأمر انتهاكا للقانون الدولي. 

ومن الناحية التاريخية، أظهرت معظم استطلاعات الرأي حول تبادل السكان والأراضي رفض هذا التبادل من قبل السكان المرشحين للنقل. وهذا ما جرى، على سبيل المثال، في إقليم كويبك في كندا. ولذلك، لم يسجل تاريخيا أي تبادل للأراضي والسكان بالموافقة. 

ومقابل ذلك، ثمة حالات عديدة لتبادل أراض وسكان بالإكراه، وخاصة في بداية القرن العشرين، وبالتحديد خلال الحربين العالميتين. ولكن، هذه العمليات تمت من خلال انتهاك القانون الدولي، واعتبرت جرائم حرب. 

وفي هذا السياق، من المفيد أن نذكر القصة التي عرضها أحد المتحدثين أمام الحضور في الندوة، وهي أن الوزير العنصري افيغدور ليبرمان، رئيس كتلة "إسرائيل بيتنا" اليمينية في الكنيست، توجه للجنة الأبحاث في الكنيست، وطلب منها بحثا حول عمليات التبادل السكاني التي جرت في دول العالم (2). وبما أنه لا يوجد مثال لتنفيذ تبادلات سكانية بالموافقة، وأن جميع الأمثلة للتبادلات السكانية تمت بالإكراه، الأمر الذي يعتبر جرائم حرب، فإنه في نهاية الأمر لم يجد ولو حالة واحدة لتنفيذ تبادل سكاني بشكل قانوني. ولذلك، فإنه حال دون نشر مثل هذا البحث، كونه لا يدعم اقتراحه لتنفيذ تبادل سكاني للسكان العرب حتى دون موافقتهم.  

وقد عرض أحد المتحدثين في الجلسة الأولى استطلاع رأي (لم ينشر بعد) لعيّنة نموذجية للسكان العرب. ويستدل منه أن الأغلبية الساحقة للسكان العرب تعارض فكرة التبادل السكاني. وقال معظم المستطلعين إن اقتراح التبادل السكاني هو من أجل ترسيخ وتثبيت الطابع اليهودي للدولة. كما أشار الاستطلاع إلى أن الأغلبية الساحقة من المستطلعين ترفض الصبغة اليهودية للدولة.


الجلسة الثانية

جميع المتحدثين في الجلسة الثانية اعتبروا التبادل السكاني عملية ترانسفير خفية. واتفقوا على أنه يجب النظر إلى هذا الموضوع ليس كبالون إعلامي بحت، بل كخطة ربما تنفذ فعليا في المستقبل القريب أو البعيد.

وقال المتحدثون إن الكتل السياسية العربية هي صاحبة الدور الأساسي في توعية السكان العرب إزاء خطط كهذه والتصدي لتلك الأفكار. وأكدوا أن على قياديي الجماهير العربية بلورة موقف بشأن هذا الموضوع وإعداد خطط لمكافحة مثل هذه الخطط. وشدد المتحدثون على أهمية دور الإعلام في تجنيد الرأي العام الجماهيري، المحلي والفلسطيني والدولي. 

وكانت إحدى المسائل، التي تم التركيز عليها في الجلسة، هي أن دولة إسرائيل موجودة في وضع ترى فيه أنها واقعة بين خيارين: إما أن تكون دولة ابرتهايد، وتمارس التمييز العنصري ضد المواطنين العرب (وهذا ما تفعله الدولة في الوضع الراهن)؛ أو أن تتخلص من أكثر ما يمكن من العرب مواطني الدولة، من خلال تنفيذ ترانسفير أو تبادل سكاني. أي أن دولة إسرائيل موجودة في مرحلة تميز فيها بين المواطنين العرب والمواطنين اليهود؛ ومن جانبها، فإن الحل لهذا الوضع والسبيل للخروج منه هو عبر تنفيذ ترانسفير  للعرب في إسرائيل من خلال التبادل السكاني. وبكلمات أخرى، اقتراح الترانسفير هو حل لمشكلة الابرتهايد.

وتطرق معظم المتحدثين إلى موضوع الهوية المنشطرة للعرب في إسرائيل- من الناحية الأولى هم جزء من الشعب الفلسطيني، ومن الناحية الأخرى هم مواطنون في دولة إسرائيل. وفي موضوع الهوية، يطرح السؤال فيما إذا كان يجب الموافقة على خطة التبادل السكاني أم لا. جزء من الإجابة يجب أن يأخذ بعين الاعتبار أن العرب في إسرائيل هم جزء من الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة، ولذلك يجب مواصلة تبادل العلاقات بينهم. 

ومن الناحية الثانية، ثمة نقطة هامة أخرى يجب أخذها بعين الاعتبار وهي أن هناك علاقة بين المواطن العربي في إسرائيل وجغرافية الدولة التي يعيش فيها. وهنالك أيضا علاقات اجتماعية بين سكان منطقة المثلث وسكان مناطق أخرى داخل إسرائيل. ولذلك، فإن التبادل السكاني سيمس بهذه العلاقات. إن دائرة الوجود للإنسان لا تتمثل في البيت الذي يعيش فيه، بل تتسع لدائرة أوسع وأشمل، للعلاقات الاجتماعية والسياسية والدينية والاقتصادية بالمحيط. ومن هذا المنطلق فإن اقتراح التبادل السكاني سيفصله عن دائرة العلاقات هذه.

وبرز أيضا خلال النقاش السؤال، فيما إذا تم تنفيذ اقتراح التبادل السكاني، ماذا ستكون مكانة هؤلاء السكان في دولة فلسطين (العتيدة). وبشكل أدق، ماذا سيكون وضع ومكانة تلك الدولة: هل ستكون دولة تحت الاحتلال (كما هو الوضع القائم اليوم)؛ أم أنها ستكون دولة مستقلة بكل ما تعنيه الكلمة؟!

وذكر أعضاء الكنيست الذين شاركوا في الجلسة أنهم بحثوا هذا الموضوع مع محمود عباس (أبو مازن)، رئيس السلطة الفلسطينية، قبل مؤتمر انابوليس، وطرحت في اللقاءات تساؤلات حول فيما إذا كان موضوع تبادل أراض وسكان سوف يطرح في المفاوضات مع الإسرائيليين؛ وما هو موقف السلطة الفلسطينية، إذا تبين أن هذه الخطة ستنفذ بشكل فعلي. وعلى حد أقوال أعضاء الكنيست، أكد لهم أبو مازن أنه إذا تم طرح هذا الموضوع للبحث، فإن السلطة الفلسطينية ستعارضه. وقال أعضاء الكنيست أيضا إن هذا ليس موقف السلطة الفلسطينية فحسب، بل موقف جميع القوى الفلسطينية الأخرى. 



هوامش:

1. ملاحظة المحرر: تكمن أهمية هذه النقطة في أنه، من ناحية القانون الإسرائيلي لا يستطيع مواطن عربي، معرض لسحب مواطنته في أعقاب تبادل الأراضي والسكان، الادعاء أمام محكمة قضائية (المحكمة العليا) بأن حقه في المواطنة سلب في أعقاب سحب المواطنة؛ ومقابل ذلك، يستطيع أن يدعي، أن حقه في المساواة أمام القانون قد مس كون اقتراح سلبه المواطنة مبني على تمييز على أساس قومي وإثني، حيث يتطرق الاقتراح فقط للمواطنين العرب.

2. من المعقول الافتراض انه طلب ذلك لكي يجد مرجعية لطلبه بخصوص التبادل السكاني بين المواطنين العرب في منطقة المثلث وبين المستوطنين في الكتل الاستيطانية في الأراضي المحتلة، حتى دون موافقة المواطنين العرب.

ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان-picture-1
ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان-picture-2
ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان-picture-3
ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان-picture-4
ندوة بمبادرة المؤسسة العربية لحقوق الإنسان-picture-5