[email protected]

في قرار جديد للمحكمة العليا: الأجهزة الأمنية ترسخ سلطتها على السلطة القضائية العليا

في قرار جديد للمحكمة العليا: الأجهزة الأمنية ترسخ سلطتها على السلطة القضائي...

"أن القرار الحالي موضع البحث يكشف عن توجه جديد فيما يخص "النظرة الأمنية" المستشرية في الدولة، بل ويناقض مبدأ فصل السلطات وإستقلالية الجهاز القضائي. فلو نظرنا إلى مجريات المحكمة بدقة وحللنا ما قامت به الدولة وقوى الأمن، لوجدنا أنها فرضت شروطها على المحكمة (وليست أي محكمة، بل المحكمة العليا)، الأمر الذي يحمل علامات إستفهام خطيرة بشأن الدور الذي يلعبه جهاز القضاء في المجتمع الإسرائيلي ومدى علاقته بالأمن والسلطات الأخرى. في هذه القضية أعلاه نجد أن القوى الأمنية إستطاعت أن تجبر المحكمة على الحفاظ على سرية القرار في القضية، وبل وأخضعت قرار المحكمة لمراقبة الأجهزة الأمنية، وذلك في موضوع يتعلق بمبادئ الحرية المعلوماتية وحرية التنقل. والأنكى من هذا، أن المحكمة العليا وافقت على هذه الإشتراطات وعملت وقررت بموجبها."

طارق إبراهيم، مدير وحدة الأبحاث والتقارير

25 كانون الثاني، 2007

 

 

علمت المؤسسة العربية، أنه في تاريخ 19/11/2006 قام قاضي المحكمة العليا، أمنون روبنشتين (سابقاً، المستشار القضائي للحكومة) برفض التماس سليم خيّاط، باولا خيّاط وأنجيلا بيوبيتش ضد سلطة المطارات ومكتب رئيس الدولة، في قضية تختص بأجراءات التفتيش التي يتعرض لها المواطنين العرب في مطار بن غوريون.
 
حيثيات القضية
ووفق الملتمسون فأنه في تاريخ 3/9/2004، وفي طريقهم للسفر إلى روما، قام رجال الأمن الإسرائيليين بإجراء تفتيش جسدي مهين عليهم، وقاموا أيضاً بفحص مشدد على أمتعتهم، كما ومنعوا من سليم خيّاط (الذي يعمل كقنّصل فخري في إسبانيا)، المصاب بمرض السكري، بأن يحمل أجهزة قياس السكر في الدم معه إلى الطائرة، مما أجبره على الصيام لمدة 14 ساعة سفر. بالإضافة إلى ذلك، وبعد الإنتهاء من التفتيش، قام رجال الأمن بإصطحاب الأشخاص الثلاثة إلى متن الطائرة بصورة مذلّة ومهينة "كما يُسلّم مجرم لدولة أخرى أو كمن هو مطرود من الدولة"، على حد قولهم.
على أثر هذه التصرّفات، قدّم الركاب الثلاثة دعوى لمحكمة الصلح في حيفا ضد سلطة المطارات وضد مكتب رئيس الدولة، بإدعاء أنهم عوملوا بشكل مهين وأن صوّم سليم أدى إلى تدهوّر حالته الصحية مما أجبره على استعمال حقن الإينسولين، وطالبوا الدولة بتعويضهم بمبلغ 100 ألف شاقل. ولدعم قضيتهم طلب الملتمسون من ممثلي الدولة الكشف عن الإجرائات الأمنية التي بحسبها تصرف رجال الأمن في مطار بن غوريون في هذه الحالة. إلا أنه، وكما هو متوقع، وقّع وزير الأمن، في تاريخ 16/3/2006، على "شهادة حصانة"، التي بموجبها يمنع تقديم هذه الوثائق كدلائل في المحكمة، وذلك بحجة أن كشفها قد يؤدي إلى المس بأمن الدولة. وعلى إثر ذلك قدم الملتمسون هذا الإلتماس للمحكمة العليا، لإلزام الدولة على كشف هذه الوثائق.
وخلال التداول بالإلتماس في المحكمة العليا، قدم ممثلي الدولة إقتراحاً، بأن تطلع محكمة الصلح، التي يتم أمامها التداول في قضية التعويضات، على هذه الوثائق، بعدة شروط وهي: أولاً، أن لا يتم كشف هذه الوثائق للطرف الآخر (الملتمسين) ولممثليهم؛ ثانياً، أن لا يتم ذكر هذه الوثائق في قرار المحكمة؛ ثالثاً، إجرائات الأمن والمحافظة على سرية هذه الوثائق سوف تقرر من قبل أجهزة الأمن (وليس من قبل المحكمة)؛ ورابعاً، أن يتم إطلاع أجهزة الأمن على قرار المحكمة قبل نشره.
وبعد التداول بالإلتماس، أصدر القاضي روبينشتين قراراً، الذي في الواقع يتبنى إقتراح ممثلي الدولة. ففي معرض قراره يكتب القاضي أنه، بعد الإطلاع بنفسه على بعض هذه الوثائق السرية، اقتنع أنه توجد مبررات لعدم الكشف عن هذه الوثائق للطرف الآخر. ولكن من ناحية أخرى، يكتب القاضي، فأن هذه الوثائق تساعد الملتمسين وتدعم قضيتهم للحصول على التعويضات. وفي نهاية المطاف، قرر القاضي كما يلي: أولاً، أن جميع هذه الوثائق سوف تكشف لمحكمة الصلح؛ ثانياً، أن لا يتم كشف هذه الوثائق للملتسمين وممثليهم؛ ثالثاً، أن لا يتم ذكر هذه الوثائق في قرار المحكمة العلني؛ رابعاً، إجرائات الأمن والمحافظة على سرية هذه الوثائق سوف تقرر من قبل أجهزة الأمن؛ وخامساً، يتم إطلاع أجهزة الأمن على قرار المحكمة قبل نشره بهدف "الفحص الأمني"!!
 
تحليل القرار
وكانت المؤسسة العربية لحقوق الإنسان قد بحثت في تقرير خاص تحت عنوان "المشبوهون ضمناً" موضوع التصنيف العرقي للمسافرين العرب في مطار بن-جوريون وشركات الطيران الإسرائيلية. وقامت فيه بالإستماع لشهادات الكثيرين من المواطنين العرب الذين خاضوا عمليات تفتيش مهينة، تتضمن الفحص الشديد والدقيق للحقائب والأمتعة الخاصة واستجوابهم في غرف جانبية والتفتيش الجسدي المهين، بما في ذلك خلع الملابس (وأحياناً، خلع الملابس الداخلية التحتية أيضاً). وقد كشف التقرير أن المسافرين العرب "يحظون" بمعاملة مختلفة ومميزة عن المعاملة التي يحظى بها المسافرين اليهود، وذلك بالإستناد على توجه متبع في الدولة منذ نشوئها، والذي يرى فيهم  "تهديدًا أمنيًا" على الدولة اليهودية.
إلا أن القرار الحالي موضع البحث يكشف عن توجه جديد فيما يخص "النظرة الأمنية" المستشرية في الدولة، بل ويناقض مبدأ فصل السلطات وإستقلالية الجهاز القضائي. فلو نظرنا إلى مجريات المحكمة بدقة وحللنا ما قامت به الدولة وقوى الأمن، لوجدنا أنها فرضت شروطها على المحكمة (وليست أي محكمة، بل المحكمة العليا)، الأمر الذي يحمل علامات إستفهام خطيرة بشأن الدور الذي يلعبه جهاز القضاء في المجتمع الإسرائيلي ومدى علاقته بالأمن والسلطات الأخرى. في هذه القضية أعلاه نجد أن القوى الأمنية إستطاعت أن تجبر المحكمة على الحفاظ على سرية القرار في القضية، وبل وأخضعت قرار المحكمة لمراقبة الأجهزة الأمنية، وذلك في موضوع يتعلق بمبادئ الحرية المعلوماتية وحرية التنقل. والأنكى من هذا، أن المحكمة العليا وافقت على هذه الإشتراطات وعملت وقررت بموجبها.
إضافة إلى ذلك، أن مجريات القضية والإلتماس كشفت عن ظاهرة أخرى، تتناقض كلياً مع المبدأ المتعلق بسيادة القانون. حيث أن اجهزة الأمن إستطاعت أن تفرض سرية قرار الحكم في القضية، الأمر الذي يشكل  مخالفة صريحة لأهم مبادئ الدولة الديمقراطية التي تعتبر سيادة القانون فوق الجميع أهم مبدأ، بعكس هذه الحالة التي وضع فيها العنصر الأمني فوق القانون. هذه الظاهرة لا بد أن تؤدي في نهاية المطاف إلى إنتهاكات عديدة لحقوق الإنسان والأفراد في المجتمع، لان السيادة العليا بموجبها هي للأمن فحسب. ولا بد من الإشارة أن في دولة كهذه يتشكل خطر كبير على المواطن الأعزل لأن كل الإجراءات والتعامل اليومي معه يكون على أساس "إحتياجات الأمن"، وليس الحق الشخصي.
من إحدى أركان الديمقراطية أيضاً مبدأ فصل السلطات الثلاث: التشريعية، التنفيذية والقضائية؛ ولكن في الوقت ذاته تتحلى كل واحدة من هذه السلطات بنفس الدرجة من الإستقلالية ومن غير المقبول أن تسيطر واحدة على الأخرى. مع هذا، ومن خلال البحث في ما وراء القضية أعلاه، نتوصل بشكل حتمي إلى أن الأجهزة الأمنية – التي هي ذراع السلطة التنفيذية – تصرفت باليد العليا مع السلطة القضائية، وهذا ذاته يعكس حالة غير طبيعية، لانه بهذا يتخلى القضاء عن كونه المراقب الأول لأجهزة الدولة والمؤسسات وطريقة عملهما، والناقد للإجراءات المشكوك بها والتي تضر بمصلحة المواطن، إضافة إلى كونه الملاذ الأخير للمواطن أمام إجحاف وإعتباطية السلطات الأخرى.
ومما لا شك فيه، أن القرار أعلاه يشكل ضوءاً أحمراً أمام المواطن، وخاصة المواطن العربي، الذي يطلب حماية المحكمة العليا من قوة السلطة التنفيذية وظلمها، وبالأخص الأجهزة الأمنية، فيجد نفسه أمام محكمة تملي عليها الأجهزة الأمنية شروطها، بل وتفرض الرقابة على قراراتها. أما المحكمة، فتقبل هذا الإملاء والفرض، الأمر الذي يشكل مساً جدياً بمبادئ الدولة الديموقراطية ومعايير حقوق الإنسان العالمية.
 

 

قرار المحكمة العليا بالعبري: /uploads/userfiles/files/SaleemKhiatSupremeCourtDecision191106.pdf