العودة بعيون شبابية
نشرة كتبها، أعدها وحررها شباب فلسطينيون في الذكرى الستين للنكبة- 2008 م- 1429هـ
من مسيرة العودة ... الى العودة
تبقى النكبة الفلسطينية الحدث الاكثر اهمية في تاريخ شعب الفلسطيني المعاصر، لما تركته من آثار خطيرة على واقع ومستقبل الاجيال الفلسطينية منذ العام 1948 وحتى اليوم. وبقى التهجير واللجوء السمة الملازمة لهذا الشعب او لاغلب قطاعاته ليغير في البُنى الاساسية الذي تتسم بها اجزاء الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات. فعلى مستوى اللاجئين كانت النكبة والتهجير العامل الاساسي في تحديد صيرورة هذا القطاع الذي يمثل الغالبية، وعلى مستوى من بقي مزروعاً في وطنه كانت النكبة بمثابة التحول من صاحب البيت وسيده الى أقلية محكومة بانظمة عسكرية جائرة جاءت لتدمر الهوية والانسان بعد ان سلبت الارض ودمرت البنيان الاقتصادي والسياسي.
وكمؤسسة حقوقية لا يمكننا الا ان نشير الى التزامن المأساوي بين كون العام 1948 يشكل نقطة التراجع والنكبة الصارخة لكل ما هو حق انساني بحق الشعب الفلسطيني، وبين العام ذاته الذي فيه انطلق "الاعلان العالمي لحقوق الانسان" بوصفه القفزة الاهم في تطور منظومة حقوق الانسان الدولية .... ففي حين شهدت بداية العام جريمة منظمة لاقتلاع الشعب الفلسطيني من ارضه، تحت سمع وبصر العالم... حكوماته وشعوبه، جرت في نهايته مراسيم اصدار اهم وثيقة دولية لحقوق الانسان في العصر الحديث ... ولكي تبقى الجريمة على مستواها وتزيد، عجزت ذات المؤسسة الدولية "الامم المتحدة"، صاحبة هذا الاعلان الانساني العالمي- عجزت عن القيام بواجبها بإحقاق هذه الوثيقة وتطبيقها، من خلال ازالة الغبن والظلم الذي عاشه الشعب الفلسطيني منذ نكبته في العام 1948. بل وساهمت احياناً، من خلال ازدواجية المعايير، بتحميل هذا الشعب وقيادته مسؤولية النكبة وتبرئة المجرمين... وحتى حين اتخذت قرارات صائبة لمناصرة الحق الفلسطيني فانها لم تفعل شيئاً لتطبيق هذه القرارات على الارض، وبالتالي عجزت عن ايصال رسالة الحقوق الانسانية لاكثر الناس عوزاً للاحساس بها.
اما بالنسبة للفلسطينيين في الداخل، ونحن نستعيد اليوم "الذكرى ال- 60" لهذه النكبة، فأن امتداد اللحظة منذ ستون عاماً، وامتزاج المعاناة الفردية للانسان بالنكبة العامة بالنكبة للشعب الفلسطيني، يبقى حق عودة اللاجئين والمهجرين في الداخل، المطلب الاهم لازالة آثار النكبة واسقاطاتها... وفي الطريق لاحقاق ذلك لا بد من التوقف عند سياسات التمييز والعنصرية، ومصادرة الارض وهدم البيوت والتهجير والاقتلاع اليومي المتواصل في النقب ... وكأن هذه الانتهاكات، اضافة لتصاعد الخطاب الدمغرافي والدعوة للترحيل والطرد الصادرة من المؤسسات الرسمية مسنودة بدعم شعبي وثقافة عنصرية سائدة ... وكأنها كلها دلائل على استمرار النكبة وواقع التشريد... لتأكد ان النكبة لم تنهى منذ العام 1948، بل اخذت اشكالاً جديدة وابعاداً مختلفة متواصلة بين الماضي والحاضر.
وفي الاراضي المحتلة منذ العام 1967، تستمر المجازر اليومية، والقصف والاغتيال وتدمير البيوت... علاوة على سياسة الحصار والتجويع وانتهاك ابسط الحقوق الانسانية الاساسية وامتهان الكرامة البشرية، لتضيف الى الذكرى نكبةًًًً جديدة تتواصل في جذورها مع النكبة الاولى، وتتفاعل مع مخرجاتها لتعيد الى الاذهان صورة "لعالم جديد" لا تتجدد فيه سوى اساليب تدمير الحقوق وسلبها، ومقايضة حقوق الانسان والشعوب كسلعة رخيصة في سوق المصالح الدولية والقوى العالمية والاقليمية المهيمنة.
ويبقى اللاجئ الفلسطيني في مخيمات اللجوء والشتات ينتظر العودة وسلاحة الاساسي ايمانه بعداله قضيته وحتمية انتصارها على الظلم والقهر مهما طال... فلا سلام دون عودة اللاجئين، ولا استقرار دون العودة ... ولا عدل او أمان الا بعودة ابن اللد الى بلده، وعودة مهجري حيفا ويافا وصفورية واقرث وصفد والجاعونة... وكل القرى التي تجاوز تعدادها ال 500 ... الى قراهم واملاكهم... وكلنا يقين ان الحقوق لا تتقادم ولا تساوَم عليها الشعوب، وان جيلاً صاعداً من الشباب سيحمل الحق ويصونه في مسيرة العودة التي طال امدها... مسيرة تعيد اللاجئ الى بيته ... انساناً مكرماً ... وتزيل صفة اللجوء التي رافقته منذ اوسط القرن الماضي ليعود انساناً ... مواطناً حراً كريماً متساوياً يساهم في رقي الانسانية والمجتمع الدولي ويسعى لسعادة البشرية بعد ان استعاد سعادته وحقوقه الانسانية والوطنية ...
لقراءة المجلة، أضغطوا هنا أو على الرابط من جهة اليسار.
محمد زيدان
مدير عام
المؤسسة العربية لحقوق الانسان